القاضي عبد الجبار الهمذاني
227
المغني في أبواب التوحيد والعدل
هذه العبارة مجازا ، من حيث يتعذر فعل مثله في قدر فصاحته . . وبيّنا الوجه الّذي له تعذر حتى دخل في أن يكون معقولا مكشوفا ، وذلك يسقط سؤالهم . فإن قالوا : إن المسألة قائمة ؛ وذلك أنهم إذا كانوا يعلمون « 1 » الحروف ، وسائر ما يتصل بالكلام ، لم يمكن أن يبين أن هناك علما قد فقدوه ؛ لأنكم إن جعلتموه علما بالحروف والكلمات وغيرهما . لم يصح ؛ وإن جعلتموه علما بالتأليف والنظام لم يصح ؛ وإن جعلتموه علما بعينه لم يصح ؛ وذلك يبطل قولكم : إنه معجز . قيل له : إن المراد بتأليف الكلام ونظامه معقول ، لأنا لا نرجع بذلك إلى مثل تأليف الأجسام ، لاستحالة ذلك على الكلام ، لأنه عرض يستحيل كونه محلا ؛ ولأن من حق التأليف أن يحصل بين الموجودين ، وفي الكلام لا يصح ذلك لأن ثاني الحروف إذا وجد بطل الأوّل ، فلو أثبتنا البقاء « 2 » فيهما لأدّى إلى كون الموجود مؤلفا بالمعدوم ، وهذا محال ؛ وليس يجب إذا استحال ذلك أن يكون المراد بتأليفه ونظمه غير معقول ؛ لأنا نعنى بذلك تواتر حدوثه واتصاله ، على الطريقة التي وضعت للفائدة ؛ وأنه لو تقطع لم يفد ، وإنما يعتبر إذا حصلت فيه طريقة الاتصال فشبه بالأجسام المتصلة ؛ وقيل فيه : إنه مؤلف منظوم متصل ؛ وقد بينا من قبل : أن اتصاله قد يكون على ضروب ، فتبين بكيفيتها مراتب الفصاحة والتفاضل فيه . . وبينا : أن كل مرتبة منه قد تحتاج إلى قدر من العلم ، سوى العلم الّذي تحتاج إليه المرتبة الأخرى ، كما تعلمه في الصناعات وغيرها إذا كانت مختلفة المراتب ؛ فإذا صح ذلك لم يمتنع أن يحصل في الفصيح قدر من هذا العلم ، دون قدر ، لأن مقادير الفصاحة إذا اختلفت وتفاضلت ، فكذلك العلم
--> ( 1 ) في « ص » يعملون . ( 2 ) في « ط » بالبقاء .